مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة الصباح

مجموعة القيم المصرية 2ـ القناعة وفلسفة الحمد

 


استكمالاً لسلسلة المقالات الرمضانية التى تتناول مجموعة القيم المصرية الأصيلة، نقترب اليوم من قيمة لا تقل أهمية عن التسامح، بل تكاد تكون جناحه الآخر، وهى قيمة القناعة. تلك القيمة التى حفظت توازن المجتمع المصرى عبر عقود طويلة، وجعلته قادراً على التكيّف مع الظروف المتغيرة دون أن يفقد روحه أو يختل ميزانه الداخلى.

القناعة ليست دعوة إلى الكسل، ولا تبريراً للفقر، ولا انصرافاً عن الطموح. بل هى حالة وعى عميق بما نملك، قبل انشغالنا بما ينقصنا. هى أن يسعى الإنسان ويجتهد ويخطط للمستقبل، لكنه فى الوقت ذاته لا يسمح للرغبات غير المحدودة أن تلتهم راحته وسكينته.

>> المجتمع المصرى بطبيعته كان يميل إلى القناعة.

فى البيوت البسيطة، كان الراتب المحدود يُدار بحكمة، والاحتياجات تُرتّب وفق الأولويات، والرضا حاضراً فى تفاصيل الحياة اليومية. لم تكن الكثرة معياراً للسعادة، بل كانت البركة هى الكلمة المفتاحية. عبارة ؟الحمد لله على كل حال؟ لم تكن جملة تقال على سبيل العادة، بل كانت فلسفة حياة.

>> رمضان يعيد إحياء معنى القناعة بصورة عملية.

فالصائم يمتنع بإرادته عن أشياء يملكها، لا لأنه عاجز عنها، بل لأنه يتدرب على أن الرغبة يمكن ضبطها، وأن الإنسان ليس عبداً لشهواته. ساعات الصوم الطويلة تذكّرنا بأننا قادرون على الاحتمال، وأن ما نعتبره ضرورة ملحّة قد يكون مجرد عادة اعتدنا عليها.

>> فى زمن تتسع فيه الإعلانات وتضيق فيه النفوس، تصبح القناعة عملة نادرة.

ثقافة الاستهلاك تُقنع الإنسان بأنه يحتاج إلى المزيد دائمًا، هاتف أحدث، سيارة أكبر، بيت أوسع، ملابس أكثر. ومع كل امتلاك جديد، يتولد احتياج جديد، فى دائرة لا تنتهى. هنا تظهر أهمية القناعة كقيمة مضادة لهذا الاندفاع غير المنضبط.

القناعة لا تعنى أن نتوقف عن الحلم، بل أن نحلم دون أن نفقد امتناننا للحاضر.

يمكن للإنسان أن يطمح للأفضل فى عمله، وأن يسعى لزيادة دخله، وأن يطور مهاراته، لكن دون أن يتحول إلى كائن ساخط دائماً، يرى ما فى أيدى الآخرين أكثر مما يرى ما بين يديه.

فى المجتمع المصرى، كانت القناعة مرتبطة بالكرامة.

الشخص القنوع لا يمد يده إلا لله، ولا يقارن نفسه بالآخرين فى كل صغيرة وكبيرة. يعرف قدره، ويعتز بما لديه، ويعيش وفق إمكاناته دون تكلّف أو ادعاء. لذلك كان الاحترام يُمنح لمن يعيش فى حدود إمكاناته بصدق، أكثر مما يُمنح لمن يتباهى بما يفوق طاقته.

>> رمضان يمنحنا فرصة لمراجعة علاقتنا بالماديات.

موائد الإفطار، على تنوعها، تذكرنا بأن لقيمات قليلة بعد يوم صيام قادرة على أن تمنحنا شعوراً عميقاً بالرضا. رشفة ماء تصبح نعمة عظيمة، وقطعة خبز تتحول إلى مصدر امتنان. فى هذه اللحظات ندرك أن السعادة ليست فى وفرة الأطباق، بل فى حضور القلب.

>> القناعة تحمينا من آفة المقارنات.

كم من إنسان يملك الكثير، لكنه لا يشعر بالرضا لأنه يقارن نفسه بمن يملك أكثر. وكم من آخر يملك القليل، لكنه يعيش فى طمأنينة لأنه ينظر إلى نعمته بعين الشكر لا بعين النقص. المقارنة المستمرة تسرق الفرح، وتجعل الإنسان أسير سباق لا خط نهاية له.

>> فى الأسرة، القناعة تُعلِّم الأبناء التوازن.

حين يرى الطفل والديه يديران حياتهما بواقعية ورضا، ويتحدثان عن النعم بدل التركيز الدائم على الغلاء والشكوي، يتعلم أن القيمة الحقيقية ليست فى المظاهر، بل فى الاستقرار النفسي. الأسرة القنوعة تربى أبناءً أقل توتراً، وأكثر تقديراً لما لديهم.

وفى بيئة العمل، القناعة لا تعنى الاكتفاء بالحد الأدني، بل تعنى العمل بإخلاص دون حسد أو صراع غير صحى. الموظف القنوع يطمح للترقي، لكنه لا يحقد على زميله إن سبقه. يدرك أن الأرزاق موزعة، وأن الاجتهاد واجب، والنتائج بيد الله.

القناعة كذلك تحرر الإنسان من ضغط الصورة الاجتماعية.

فى هذه الأيام المباركة، ونحن نرفع أكف الدعاء، كثيراً ما نطلب الزيادة فى الرزق. وهذا حق مشروع، لكن ربما يجدر بنا أن نطلب أيضاً البركة فيما لدينا، وأن يمنحنا الله قلباً قنوعاً. فالقلب القنوع يرى الخير فى القليل، ويشعر بالغنى حتى وإن لم يملك الكثير.

القناعة لا تعنى الرضا بالظلم أو السكوت عن التقصير، بل تعنى أن يكون طموحنا منضبطاً بقيم، وأن يكون سعينا مقروناً بالشكر. هى توازن دقيق بين السعى والرضا، بين العمل والتسليم.

وإذا كان رمضان شهر تهذيب النفس، فإن القناعة إحدى ثمار هذا التهذيب.

أن نصوم عن الإسراف كما نصوم عن الطعام، وأن نمتنع عن الشكوى كما نمتنع عن الشراب، وأن نتعلم أن الاكتفاء ليس فى كثرة ما نملك، بل فى رضا القلب.

بهذه الروح تستمر القيم المصرية حيّة فى وجدان المجتمع.

ومع كل رمضان، تتجدد الفرصة لأن نعيد الاعتبار لهذه القيمة الهادئة العميقة: القناعة… ذلك الغنى الذى لا يُقاس بالأرقام، بل يُقاس براحة البال